العودة للخلف

الناقض الأول

تاريخ النشر: 18 / 09 / 2026
: 4

الناقض الأول

الشرك في عبادة الله تعالى قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48، 116]. وقال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72]. ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجنِّ أو للقبر

شرح الناقض الأول

استهل الشيخ  رحمه الله  هذه النواقض العشرة بأخطر النواقض وأعظمها وهو الشرك في عبادة الله.

والشرك: النصيب، قال الله: {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} والشركة، والمشاركة: الخُلْطة، وهو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا.

وأشرك الرجلُ بالله، إذا جعلَ له شريكًا، فهو مُشرك، والذي أشركه مع الله: هو الشَّريك، يُجمع على شُرَكاء. {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}: أي: اجعلْه شريكًا لي فيه.

والله تعالى لا شريك له في ملكه، ولا في خلقه، ولا في أمره، ولا في ألوهيته، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء/ 111]، وقال: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } وقال: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26]، وقال: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ }   [الحج: 31]، وقال: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]. ومنه: «من حلف بغير الله فقد أشرك» حيثُ جعلَ ما لا يُحلف به مَحلوفًا به كاسم الله الذي يكون به القَسَم.

والشرك الأكبر: هو أن يَتخذ العبدُ مِن دون الله ندًّا، يحبُّه كما يُحبّ الله، وهو الشرك الذي تضمَّن تسوية آلهة المشركين بربِّ العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98]. مع إقرارهم بأنَّ اللهَ وحدَه خالقُ كل شيء، وربه ومليكه، وأنّ آلهتهم لا تخلُق ولا ترزق، ولا تُحيي ولا تميت، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم.

ولهذا قال الشيخ  رحمه الله : (في عبادة الله).

وحقيقة الشرك تُعرف مِن معرفة حقيقة التوحيد، وحَقِيقَة التَّوْحِيد: أَن لَا يُعبد إِلَّا الله. والْعِبَادَة تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ وَكَمَال التَّعْظِيم، وَكَمَال الرَّجَاء والخشية والتعظيم والإجلال وَالْإِكْرَام. ولهذا بوَّب المؤلف  رحمه الله  في كتاب التوحيد على هذه الأمور كلها.

وعبادة الله هي الغاية التي مِن أجلها خلقَ اللهُ الخلْق كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].

وقال سبحانه:  { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } [المؤمنون:116].

فالله تعالى ما خلَقَ الخلقَ عبثًا، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنما خلَق الخلْق لتحقيق هذه الغاية وهي عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون} [التوبة:31].

والعبادة: اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاهُ من الأقوال والأفعال والنيات.

وشرَط اللهُ سبحانه لعبادته الإخلاصَ كما قال:  { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [البينة:5].

ومعنى (حنفاء): أي مائلين عن سائر الأديان إلى دين الإسلام الحقّ. وعن الشرك إلى التوحيد.

ولا تُسمَّى العبادة عبادة إلا مع التوحيد، وذلك بأنْ يفردَ العبدُ ربَّه سبحانه وتعالى بالتعبُّد والتألُّه، فلا يَصرف أي نوع من أنواع العبادة بل ولا جزء من أجزاء العبادة لغير الله تعالى.

ومن صرَف عبادةً من العبادات التي شرَعها اللهُ سبحانه؛ لغير الله فهو باسم المشرك أحق منه باسم العابد.

فلا يُقال له والحالة هذه: إنه عابد لله!.

وإنما يَستحقّ هذا الاسم والوصْف العظيم: مَن جرَّد التوحيد والعبادة لله جلَّ وعلا.

وأمَّا مَن عبدَ الله وعبدَ غيره، أو أشرك بالله، وصرَف أنواعَ العبادات لغير الله أو نوعًا منها، لغير الله تعالى، فهذا مُشرك، وليس بقائم بما أمره الله به من التوحيد والعبادة، وليس بمحقِّق للغاية التي خلقَهُ اللهُ مِن أجلها، ولا يكونُ العبد كذلك إلا إذا أخلصَ عمله وعبادتَه كلَّها لله جل وعلا.

وهذا هو معنى كلمة التوحيد، (لا إله) أي لا معبود بحق إلا الله وغير الله إن عُبِد أو صُرف له أي عبادة فقد عُبد بباطل، (إلا الله) إثبات العبادة له لا لغيره فلا إله يُعبد بحقّ إلا الله تعالى فيجب إخلاص العبادة له.

وهكذا فَهِمَ المشركون الأوائل منها ولهذا قالوا:  { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ص:5].

فالشرك ينقضُ إيمانَ العبد، وينقله من التوحيد والإسلام إلى الكفر والعياذ بالله، إذا أشركَ مع الله في عبادته كائنًا مَن كان.

سواء صرَف العبادةَ لملَك أو لِوليّ أو لمشهَد وقبر أو لكوكب أو حجر أو وَثَن أو لغير ذلك، وكله مما أنكره رسولُ الله وكله مما دخل تحت قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الأنفال:39]. فتنة معناها في الآية: أي شرك.

حقيقة الشرك:

قد أشار الشيخ  رحمه الله  إلى حقيقة الشرك بالآية التي تلاها من سورة النساء، وقد ورد الشاهد في آيتين من سورة النساء.

قال الله تعالى:  { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء:116].

وهذا الضلال البعيد قد أخبر اللهُ تعالى عن المشركين أنهم يُقرّون به في النار، كما قال عنهم:  {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء:98]. عَلِم المشركون قُبحَ مَقالتهم وضَلالهم وسَفَه عقولهم، حيث سوّوا المخلوقَ بالخالق.

قال ابن القيم  رحمه الله : «حقيقة الشرك: تشبيه المخلوق بالخالق، فالمشرك مشبِّهٌ للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.

ومن خصائص الإلهية: التفرُّد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكُّل به وحده، فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبَّهه بالخالق وجعلَ مَن لا يَملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا -فضلًا عن غيره- شبيهًا بمَن له الأمر كلّه، فأزمَّة الأمور كلِّها بيديه، ومرجعُها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، بل إذا فتح لعبده بابَ رحمتِه لم يُمسكها أحدٌ، وإن أمسكَها عنه لم يُرسلْها إليه أحد.

فمِن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات: بالقادر الغَنيّ بالذات.

ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلَق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يُوجب أن تكونَ العبادةُ كلّها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب -كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أنْ يكونَ له وحده، ويَمتنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمَن جعلَ شيئًا من ذلك لغيره فقد شبَّه ذلك الغير بمَن لا شَبيه له ولا مَثيل ولا ندَّ له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.

ولشدة قُبحه وتضمنه غاية الظلم: أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة.

ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحُبّ، مع غاية الذُّل. هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمَن أعطى حُبَّه وذُلَّه وخضوعَه لغير الله فقد شبَّهه به في خالص حقِّه، وهذا من المُحال أن تجيءَ به شريعةٌ من الشرائع، وقُبحه مُستقرّ في كلِّ فِطرةٍ وعَقل»([1]).

آثار الشرك:

وللشِّرك بالله تعالى آثار خطيرة، من ذلك:

- أنه ينقضُ كلمةَ التوحيد ويهدم الإسلام، وهو أعظم النواقض ولهذا بدأ الشيخ به.

- وهو: أظلم الظلم، كما قال تعالى:  { لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان:13].

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سأل النبيَّ أي الذنب أعظم عند الله، قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»([2]).

- والشرك يتضمَّن تسوية غير الله بالله تعالى، وهذا ضلال عظيم، وإفك مبين كما تقدم، أن يُسوَّى المخلوق بالخالق، والناقص بالتام، والفقير الفقر المطلق بالغَنِي الغِنَى المطلق، ومالك الملك ذي العزة والجلال والإكرام بمن لا يَملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا ولا قليلًا ولا كثيرًا.

- وهو أكبر الكبائر، كما في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي قال: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِالله».

- ومن أعظم ذلك: ما أشار الشيخ  رحمه الله  إليه بتلاوة الآية، أعني قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء:48]. وقال في الأخرى:  { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء:116].

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يغفر ولا يُسامح ولا يعفُو عن العبد إذا أشْرك بالله تعالى معه شيئًا وهو خَلقَهُ وأعطاهُ وأمدَّه وأعدَّه وأسْبغَ عليه من النعم الظاهرة والباطنة، ثم يذهب يعبدُ غيرَه!

وفي المسند عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي قال: «إن يحيى بن زكريا عليه السلام جمع بني إسرائيل في بيت المقدس فَقُعِدَ عَلَى الشُّرَفِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ. أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ، وَيُؤَدِّي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، فَاعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»([3]).

وهو حديث طويل عظيم شرحه ابنُ القيم  رحمه الله  في الوابل الصيب ومما قال: «ذكَر مثلَ الموحِّد والمشرك: فالموحِّد كمَن عَمل لسيِّده في داره وأدَّى لسيده ما استعمله فيه، والمشرك كمَن استعمله سيدُه في داره فكان يعمَل ويؤدِّي خراجَه وعمله إلى غير سيده!.

فهكذا المشرك؛ يعملُ لغير الله تعالى في دار الله تعالى ويتقرب إلى عدوِّ الله بنعم الله تعالى.

ومعلوم أنَّ العبدَ مِن بني آدم لو كان مملوكه كذلك لكان أمقتَ المماليك عنده وكان أشد شيئاً غضَبًا عليه وطردًا له وإبعادًا، وهو مخلوق مثله كلاهما في نعمة غيرهما.

فكيف بربِّ العالمين الذي ما بالعبدِ مِن نعمةٍ فمِنْه وحدَه لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يَصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلْق عبده ورحمته وتدبيره ورزقه ومعافاته وقضاء حوائجه.

فكيف يَليق به مع هذا أن يَعدِلَ به غيره في الحبِّ والخوف والرجاء والحَلِف والنذر والمعاملة، فيحبُّ غيره كما يُحبه أو أكثر، ويخاف غيرَه ويرجوه كما يخافه أو أكثر، وشواهد أحوالهم -بل وأقوالهم وأعمالهم- ناطقة بأنهم يحبُّون أنداده من الأحياء والأموات ويخافونهم ويرجونهم ويطلبون رضاءهم ويهربون من سخطهم أعظم مما يحبون الله تعالى ويخافون ويرجون ويهربون من سخطه، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل.

والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة:

- ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يشرك به.

- وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله.

- وديوان لا يَعبأُ اللهُ به، وهو ظُلم العبد نفسه بينه وبين ربِّه عزَّ وجل، فإنَّ هذا الدِّيوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمحي بالتوبة والاستغفار والحسَنات الماحية والمصائب المكفِّرة ونحو ذلك.

بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد.

وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها.

ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل؛ حرَّم الجنةَ على أهله، فلا تدخل الجنة نفسٌ مشركة، وإنما يدخلها أهلُ التوحيد، فإن التوحيد هو مفتاح بابها، فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به»([4]).

قلت: فالواجب على العبد أن يَعبد الله لا يُشرك به شيئًا وأن يُخلص له العبادة، ويجتهد في تحقيق التوحيد وتخليصه من كلِّ شوائب الشرك، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار:8].

* وقوله سبحانه: {لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} إذا كان الشرك لا يغفره الله فمعناه أن يؤاخذ به، وإذا كان لا يغفره أبدًا فالمؤاخذة عليه أبدًا.

وأمَّا ما عدا الشرك مِن المعاصي -إذا لم تكن توبة- فإنها تحتَ المشيئة قد يعفو الله عنها، وقد يؤاخذ الله بها، وعدم المؤاخذة على الشرك لِعظَم الجرم فيه.

- ودلت الآية على أنَّ المشركَ قد افترى إثمًا عظيمًا. وفي الآية الأخرى: ضل ضلالًا بعيدًا.

افترى: اختلق، والفرية عند العلماء: أشد مراتب الكذب قبحًا.

قال العلامةُ السعدي  رحمه الله  في تفسيره: «الذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفِّرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين، ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحقّ بها أهل الإيمان والتوحيد.

وهذا بخلاف الشرك فإنَّ المُشرك قد سدَّ على نفسه أبوابَ المغفرة، وأغلقَ دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعُه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا، وما لهم يوم القيامة {مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}.

ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} أي افترى جرمًا كبيرًا وأي ظلم أعظَم ممن سوَّى المخلوقَ مِن تراب الناقص من جميع الوجوه الفقير بذاته مِن كل وجه الذي لا يَملك لنفسهِ نفعًا ولا ضَرًّا ولا مَوتا ولا حياة ولا نشورًا، بالخالق لكلِّ شيء الكامل من جميع الوجوه الغَني بذاته عن جميع مخلوقاته الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع الذي ما مِن نعمةٍ بالمخلوقين إلا هي منه تعالى، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟!»([5]).

- ومن أخطار الشرك ما أشار إليه الشيخ بتلاوته لقوله تعالى:  { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [المائدة:72].

(مَن) لفظ يَقتضي العموم فكلُّ مَن أشرك بالله من ذكر أو أنثى، وإنسي أو جني وقع منه الشرك بالله تعالى، سواء تعلَّق الشرك باللسان أو تعلَّق بالجنان وهو القلب أو بالأركان والجوارح فإنَّ الجزاء على ذلك كما أخبر الله بقوله:  { فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }

وهذا وعيد شديد أن تحرم على العبد الجنة وأن يكون من أهل النار إذ ليس للناس من دار يوم القيامة ومن مأوى إلا الجنة أو النار، فمن حرمت عليه الجنة كان من أهل النار.

قال: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} وهذه فيها إشارة إلا أنَّ جزاءَهم كان بسبب ظلمهم العظيم وجرمهم الكبير، ظلمهم لأنفسهم وظلمهم لدين الله الحق، وظلمهم للرسل وللناس ولبُعدهم عن الغاية التي خلقهم الله لأجلها وتنكُّرهم لنعم الله ومننه وأَفضَاله وجحدهم آلاءه، فهو خلَقهم ورزقهم وأنعم عليهم وأعطاهم وعافاهم وهيّأَ لهم الأسبابَ وفتح لهم الأبواب أبواب كلِّ شيء، ثمَّ هُم به يَعدلون، ويعبدون غير الله وينذرون لغيره، يحلف الواحد منهم بغيره، ويعظِّم غيرَه، ويخاف من غيره، ويركع أو يسجُد لغيره، ويدعو غيره، ويستغيث بغيره، هذا ظلم عظيم وجحود كبير.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ، وَتَرْبَعُ، فَيَقُولُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلحْمِهِ وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ المُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ»([6]).

ولهذا ذكَر اللهُ أنَّ المشركَ لا يؤيّد ولا يُنصر ولا يكون له عند الله شفيع. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}، وقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]، وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم:13].

- ومن أضرار الشرك: أنه في الدنيا يخرج عن العصمة فإنَّ الإسلام يَعصمُ دمَ المسلم وعرضه وماله فإذا ارتدّ والعياذ بالله دخل تحت الأمر بدعوته، فإنْ لم يَستجب دخل تحت الأمر بمقاتلته. قال الله:  { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [التوبة:5]

{ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }

[التوبة:36].

وسبق حديث ابن عباس في صحيح البخاري: «مَن بدَّل دينَه فاقتُلُوه».

- ومِن أضرار الشِّرك -نعوذُ بالله منه-: حُبوط العمَل كما قال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:88]. وقال: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر:66].

{فَاعْبُدِ} أي: أَخلِص له العبادة، وهو التوحيد أن يخلصَ العبدُ في سائر أعماله وأقواله ونيته وقصده لله تعالى.

والشِّرك الذي هذا ضرره:

الشرك في الألوهية، وهو: أن يَصرف العبدُ عبادةً من العبادات لغير الله تعالى، يتقرب كما يتقرب بها إلى الله تعالى.

- ومِن الشِّرك: تسوية العبد غير الله بالله تعالى في ربوبيته: وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيبا من الملك أو الخلق أو التدبير. ومنه شرك النصارى، وشرك المجوس.

- ومن الشِّرك: الشِّرك في أسمائه وصِفاته، وهو أن يجعلَ للهِ تعالى مُماثلًا في شيء من الأسماء والصفات، فيَعتقد أنَّ للعبد مثل ما لله تعالى من الأسماء والصفات، ومنه اشتقاق المشركين أسماء آلهتهم من أسماء الله: اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز. وهكذا اعتقاد بعض المشركين أنَّ شُركاءَهم يَسمعونهم في كلِّ حين ويجيبون دعاءَهم إذا أخلصُوا لهم. وكذا مَن اعتقد أنَّ أحدًا يعلمُ الغيبَ الذي لا يَطَّلع عليه إلا الله. ولهذا كان تصديق الكهنة أنهم يعلمون الغيب كفر، كما ثبت به الحديث.

إلا أنَّ أهل العلم أكثر ما يتكلَّمون عن الشِّرك في العبادة إذ هو الأغلب على المشركين وهو: أنْ يجعلَ العبدُ نصيبًا من عبادتهِ لغير الله.

وهذا الكلام كله في الشرك الأكبر المخرج من الملة.

ومن الشرك: شركٌ أصغر. كيسير الرياء، ولُبس الحلقة والخيط لرفع البلاء معتقدًا أنه سبب للعافية غير مؤثِّر بنفسه، ومنه الحلف بغير الله غير معظِّم للمحلُوف كتعظيم الله، وهذا الشرك الأصغر؛ أكبر من الكبائر لكنه لا يخرج من الملة.

وأمَّا الأكبر -وهو المراد هنا- فهو يُخرجُ من الملة، وتنبني عليه الأخطار والأضرار السابقة.

وذلك كمَن:

- يدعُو غيرَ الله يَهتِف باسمه يسألُهُ كشْفَ الكُربات وفك الضائقات وتفريج الشدائد عنه وكاستغاثة المستغيثين بالأموات والاضطرار إليهم في جلب المنافع من شفاء المريض ورد الغائب وسعة الرِّزق والنصر على الأعداء وطلب الولد، ويطلبون منهم دفع الضر ورفع البلاء، ونحو ذلك.

كما يفعلُه المشركون في زماننا هذا عند الأضرحة والـمَشاهد ومَن يزعمونهم الأولياء ومَن يدعونهم من دون الله.

قال العلامة الصنعاني : رحمه الله

وقد هتفُوا عند الشدائد باسْمِها     كما يهتفُ المضطرّ بالصمدِ الفرد

- ومن الشرك بالله: ما مَثَّل الشيخُ  رحمه الله  به وهو الذَّبح لغير الله. كمَن يذبح للجن أو للقبور.

وتمثيله بهذا المثال للشرك: لكثرة وقوعه بل قد أصبح تقديم القرابين لآلهتهم التي يندِّدون عندها من لوازم قضاء حاجاتهم عندهم.

 وما أكثر ما يُزين السَّدَنة هذا الشرك الشنيع عند المشاهد الشركيَّة على الجهلة ليأكلوا أموالَ الناس بالباطل، ويَستغفلون السُّذّج من الناس الذين أبطلوا حتى دلالة العقل ورفضوا نداء الفطرة القاضية بفساد فعلهم وشناعة وقبح طريقتهم.

وهذا الفعل شرك أكبر، فإنَّ الذبح -وهو إراقة دم الأنعام على وجه مخصوص تعبُّدًا- من جملة العبادات التي شرع جنسها في الشرع، في العيد، والحج، فشُرعت الأضحية، والهدْي.

وهذه العبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، قال تعالى:  { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام:163].

وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2].

وأنت ترى أنَّ الله تعالى قرَن النحر والذبح في الآيتين بالصلاة، أي: صلِّ له وحده، وانحرْ له وحده، فكما أنك تصلِّي لله وحده لا شريك له، فكذلك تذبحُ لله وحدَه لا شريك له.

وكما أنَّ مَن صلَّى لغير الله فقد أشركَ وكفَر، فكذلك مَن ذبح لغير الله فقد أشرك وكفر.

- والذي يذبحُ لغير الله قد عرَّض نفسه لِلَعْنة الله، ولِلطَّرد من رحمته:

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أن النبي قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»([7]).

ومثَّل: الشيخ  رحمه الله  بالذين يذبحُون للجنِّ.

وهذا يُوجد في أهل الجهالة كثيرًا يذبحون عند دخول المسكن الجديد مثلًا للجنّ تقرُّبًا إليهم دفعًا لضررهم وخوفًا منهم.

وقد قال العلامةُ ابنُ عتيق رحمه الله: «ما يتقرَّب به المسلم إلى الله تعالى، من الهدي والأضاحي، وغير ذلك من النسك المأمور به شرعًا، كل ذلك من العبادات التي أمر الله بها عباده، فمَن فعل من ذلك شيئًا لغير الله، فهو مشرك.

وقد كان المشركون يتقرَّبون إلى معبوداتهم بأنواع من القرب، كالهدايا والنذور وغير ذلك، وهذا من الشرك.

ومن الشرك المحرَّم: ما يقع في كثير من المدن، والبوادي والقرى، والأمصار، من كثير ممَّن يَنتسب إلى الإسلام، ممَّن قلَّ نصيبه من الدِّين، وخالف سبيل المؤمنين، وسلَكَ طريق المغضوب عليهم والضالين، من الذبح للجن، واتخاذهم أولياء من دون الله، مضاهاة لإخوانهم من المشركين الأولين، الذين قال الله فيهم: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}، وقال: { بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ }

وقد كان أولئك المشركون، يجعلون الجن شركاء لله في عبادته، فيذبحون لهم، وينذرون لهم، ويَستعيذون بهم، ويفزعون إليهم عند النوائب، وكان منهم من يفعل ذلك خوفا من شَرِّهم، وتخلُّصًا من أذاهم، ومنهم من يَفعل ذلك لقضاء بعض حاجاته، فإنَّ مِن الناس مَن تخدمه الجنّ، فتخبره بأخبار مِن المُغيبات، أو تأتيه بطعام أو بشراب، أو نفقة أو تدلُّه على مسروق، وربما تطير به في الهواء، ذكر ذلك شيخُ الإسلام  رحمه الله ، قال: ومثله واقع كثيرًا، أعرف منه وقائع كثيرة» انتهى.

 وقال أيضًا: «والذبح للجن يفعلُه كثير من أهل الجهل والضلال في البوادي والبلدان إذا مرض الشخص وأصابه داء ذبحوا عنده كبشًا أو نحوه وكثير منهم يصرِّحون بأنهم ذبحوه للجنِّ ويزعمون أنهم أصابوه بسببٍ حدَثَ منه، فيذبحون ذبيحةً للجنِّ يَقصدون تخليصَه مما أصابه من ذلك الداء، والواجب على من ابتلي بمرض ونحوه أن يَفزع لله تعالى وحده لرفع البلاء وأن يتوجَّه إليه بقلبه وقالبه (أمَّن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء).

وأما العدول عن ذلك إلى الجن والذبح لهم فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله وفاعله خارج عن الاسلام نعوذ بالله، والذبيحة على هذا الوجه حرام لا يُباح أكلها ولو ذكر عليها اسم الله لأنها ممَّا أُهلّ به لغير الله كما يذبحُ الكفارُ للأصنام و الأوثان»([8]).

وقال العلامة ابن باز  رحمه الله : «الذبح لله سبحانه قُربة عظيمة وعبادة وتقرب إليه سبحانه؛ فلا يجوز صرفها لغيره، فعقْر الذبائح للملوك والسلاطين والعظماء والتقرب إليهم بذلك يُعتبر من الذبح لغير الله، ويُعتبر من الشرك بالله فلا يجوز لأحد أن يتقرَّب إلى السَّلاطين والملوك والعظماء بالذبح لهم عند مقابلتهم، أو عند خروجهم من المستشفى، أو عند قدومهم إلى أي بلد. كما لا يجوز التقرُّب بالذبح للجنّ، أو الملائكة، أو الكواكب أو الأصنام، أو أصحاب القبور، أو غيرهم من المخلوقين للأدلة المذكورة.

أما إنْ كان الذبح يُقصد به التقرب إلى الله سبحانه والشكر له، ولا يُقصد به تعظيم الملوك والسلاطين، فهو في هذه الحال يُعتبر منكرًا وتشبُّها بأهل الجاهلية في عقْرهم الذبائح لعظمائهم وعلى قبورهم، ووسيلة من وسائل الذبح لغير الله. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا عقر في الإسلام»([9]) وقال ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم»([10]).

أما إذا ذبح الإنسان للضيف أو لأهله فهذا شيء لا بأس به، بل هو مشروع إذا دعت الحاجة إليه، وليس من الذبح لغير الله، بل هو مما أباحه الله سبحانه لعباده؛ وقد جاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على إباحة مثل هذا الأمر»([11]).

- وهكذا قول الشيخ: (أو للقبر).

هو أيضًا من الشرك العظيم فإنَّ الذابح لا يَذبح على القبور والمشاهد التي يَزورونها إلا لاعتقاد قام في أنفسهم أنهم يَضرّون أو يَنفعون من دون الله وربما اعتقدوا أنهم يحصُل منهم شفاء المريض وأنهم يقرّبون إلى الله وأنهم يَشفعون لهم عند الله.

وهذه الأفعال هي أفعال وظنون المشركين كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس:18]. فسمَّاه شركًا.

قال العلامةُ الصنعاني  رحمه الله : «ومن المفاسد البالغة إلى حدٍّ يَرمى بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام، ويُلقيه على أمِّ رأسه مِن أعلى مكان مِن الدِّين: أنَّ كثيرًا منهم يأتي بأحسَن ما يَملكه مِن الأنعام، وأجود ما يَحوزه من المواشي، فينحرُه عند ذلك القبر، متقرِّبًا به إليه، راجيًا ما يُضمر حصولَه له منه، فيُهلُّ به لغير الله، ويتعبَّد به لوثَن من الأوثان؛ إذ إنَّه لا فرق بين النحائر لأحجَار منصوبة يسمُّونها وثنًا، وبين قَبر لميِّت يسمُّونه قبرًا، ومجرَّد الاختلاف في التسمية لا يُغني من الحقِّ شيئًا، ولا يؤثر تحليلًا ولا تحريمًا، فإنَّ مَن أطلق على الخمر غيرَ اسْمِها وشربها، كان حكمُه حكمَ مَن شربها وهو يُسمِّيها باسمها، بلا خلاف بين المسلمين أجمعين.

ولا شكَّ أنَّ النَّحرَ نوعٌ من أنواع العبادة التي تعبَّد اللهُ العبادَ بها، كالهدايا والفِدية والضَّحايا، فالمتقرِّب بها إلى القبر والناحِر لها عنده لَم يكُن له غرضٌ بذلك إلَّا تعظيمه وكرامته، واستجلاب الخير منه واستدفاع الشرِّ به، وهذه عبادة لا شكَّ فيها، وكفاك مِن شرٍّ سَماعُه، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، إنَّا لله وإنا إليه راجعون»([12]).

وحاصل هذا: أنَّ العبادةَ لا يجوز أن تكونَ إلا لله تعالى كما قال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } [الإسراء:23]، وقال: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } [النساء:36].

وبهذا بعثَ اللهُ جميعَ المرسلين وإلى هذا دعا جميعُ الأنبياء والرُّسل وكلّ نبيّ يقول: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}.

فعلى المسلم أنْ يحذَر وأن يحذِّر غيرَه سائرَ أنواع الشرك الأكبر المخرج من الملة فإنه سبب عظيم للنكبات وللذلة والهوان والصَّغار وللبُعد عَن الله تعالى.

وقد شرَط الله في حصول الرِّفعة والتمكين والنصر للمؤمنين: التوحيدَ وعدم الشرك، فقال: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور:55].



([1])  الجواب الكافي» (313). عالم الفوائد.

([2])  البخاري (4477)، ومسلم (86).

([3])  مسند أحمد ط الرسالة (28/ 405/17170)، وهو حديث صحيح.

([4])  الوابل الصيب 37 40 ط عطاءات.

([5])  تيسير الكريم الرحمن 181 ، عند الآية 48 من سورة النساء .

([6])  صحيح مسلم (2968).

([7])  مسلم (1978) والمسند (855).

([8])  انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 454،  456، 462).

([9])  أحمد (20/333 /13032) عن أنس رضي الله عنه، وسنده صحيح.

([10])  مسند أحمد (5114)، وهو صحيح، وانظر: الإرواء (1269).

([11])  مجموع فتاوى ابن باز (9/ 393- 394).

([12])  تطهير الاعتقاد (16).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح