العودة للخلف

1) مقدمة الناظم (الأبيات 1-8)

تاريخ النشر: 06 / 10 / 2026
: 4

مقدمة الناظم

قال الناظم رحمه الله:

[[1-قَالَ الفَقيرُ الشَّرفُ العَمريطِي *** ذُو العَجزِ وَالتَّقصِيرِ وَالتَّفريطِ]]

الفقير: أول الأوصاف التي ذكرها الناظم لنفسه وفيها تربية حسنة للطالب على البعد عن العجب والغرور، والتدريب على الافتقار إلى الله تعالى، وإظهار الحاجة إليه، والاعتراف بالعجز والتقصير فلا غنى له إلا بالله تعالى، ولا قدرة إلا بإعانته، ولا سداد إلى بتوفيقه.

الشرف العمريطي: هذا لقب الناظم، ونسبه. فلقبه شرف الدين، واسمه يحيى بن نور الدين موسى، بن عميرة، كنيته: أبو الخير.

وهو شافعي، أزهري كما ذكر عن نفسه في بعض منظوماته.

ونسبته إلى قرية عمريط من شرقية مصر، شمال شرق القاهرة.

قال السخاوي([1]): «‌‌الْبَلَد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ (‌عمريط): وَهِيَ بِمُهْملَة ثُمَّ مِيم سَاكِنة بعْدهَا رَاء مَكْسُورَة ثُمَّ مثناة تَحْتَانِيَّة وطاء مُهْملَة من الشرقية».

وقد رأيت مَن يذكر أنها تقال بفتح العين وكسرها. وهو ظاهر إهمال السخاوي لضبطها، وقد اشتهرت بالفتح على ألسنة كثير مِن المصريين.

وهو فقيه، نحوي، ناظم. من أعيان المئة العاشرة تقريبًا، وقد نظم: الآجرومية، والغاية في فقه الشافعي (متن أبي شجاع)، والورقات، وهذه كلها مطبوعة. وغيرها أيضًا.

ونظمه استفاد منه الناس، وأقبلوا عليه بالشرح والإقراء، «والبركة من الله».

 قال الناظم رحمه الله:

[[2-الحَمْدُ للهِ الَّذي قَد أَظْهَرَا  *** عِلمَ الأُصُولِ لِلْوَرَى وَأَشهَرَا]]

الورى: نقل الراغب في «المفردات» عن الخليل أنه قال: ‌الوَرَى: الأنامُ الذين على وجه الأرض في الوقت، ليس مَن مضى، ولا مَن يتناسل بعدهم، فكأنّهم الذين يسترون الأرض بأشخاصهم.

وقال الأزهري في التهذيب: الورى والبرى: الخَلْق. وكذا قال الجوهري في الصحاح، وكذا في القاموس، الخلق مطلقًا دون قيد.

علم الأصول: هو علم يبحث في الدليل، من حيث تعظيمه، وحجيته، وطريقة الاحتجاج به، وما يتبع ذلك.

قال الناظم رحمه الله:

[[3-عَلَى لِسانِ الشَّافِعِي وَهَوَّنَا([2]) *** فَهْوَ الَّذِي لَهُ ابْتِداءً دَوَّنَا]]

الشافعي: هو الإمام محمد بن إدريس المتوفى سنة 204 هـ.

قال الإسنوي([3]): «وَكَانَ إمامنا الشَّافِعِي رضي الله عنه هُوَ المبتكر لهَذَا الْعلم بِلَا نزاع وَأول من صنف فِيهِ بِالْإِجْمَاع وتصنيفه الْمَذْكُور فِيهِ مَوْجُود بِحَمْد الله تَعَالَى وَهُوَ الْكتاب الْجَلِيل الْمَشْهُور المسموع عَلَيْهِ الْمُتَّصِل إِسْنَاده الصَّحِيح إِلَى زَمَاننَا الْمَعْرُوف بالرسالة الَّذِي أرسل الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن مهْدي من خُرَاسَان إِلَيّ الشَّافِعِي بِمصْر فصنفه لَهُ وتنافس فِي تَحْصِيله عُلَمَاء عصره.

على أَنه قد قيل إِن بعض من تقدم على الشَّافِعِي نقل عَنهُ إِلْمَام بِبَعْض مسَائِله فِي أثْنَاء كَلَامه على بعض الْفُرُوع وَجَوَاب عَن سُؤال سَائل لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع.

وَهل يُعَارض مقَالَة قيلت فِي بعض الْمسَائِل بتصنيف مَوْجُود مسموع مستوعب لأبواب الْعلم» انتهى.

وقال ابن تيمية([4]): «مَعْلُومٌ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ جَرَّدَ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الشَّافِعِيّ».

قال الناظم رحمه الله:

[[4-وَتابَعَتْهُ النَّاسُ حَتَّى صَارَا  *** كُتْباً صِغَارَ الحَجْمِ أَو كِبارَا

5-وَخَيرُ كُتْبِهِ الصِّغَارِ ما سُمِي  *** بِالوَرَقاتِ لِلإِمامِ الحَرَمِي]]

وتابعته: أي جماعةُ الناس. والناس الذين تبعوه في العناية والتصنيف في أصول الفقه على أقسام:

- قسم زاد وأفاد وأجاد، وهؤلاء طائفة كثيرة من أهل الحديث وأئمة الفقه من أهل السنة المجانبين لطرق المعتزلة والمتكلمة والمتعصبة المتمذهبة.

ومنهم: الإمام البخاري فقد قرَّر جملةً من أهم أبواب أصول الفقه في صحيحه في أخبار الآحاد، وكتاب الاعتصام، والعلم. وهكذا طائفة من أئمة الحديث في كتب السنة التي دوّنوها.

ومنهم: الخطيب البغدادي، وابن عبدالبر، وأبو المظفر السمعاني، وابن قدامة، وابن دقيق العيد، وابن تيمية، وابن القيم. وغيرهم كثير ممن تابع الإمام الشافعي وكان له الأثر المفيد، والتأكيد على ما قرره الإمام الشافعي من تعظيم الدليل، وطرق الاستدلال به.

- وقسم آخر أدخلوا في الأصول ما ليس منه، وقرروا خلاف ما قرره الإمام الشافعي، وخالفوه تأصيلًا واستدلالًا. وهؤلاء طوائف من المعتزلة، والأشاعرة والمتكلمة والماتريدية، ونحوهم.

ومنهم: إبراهيم النظام 231هـ : فقد أنكر حجية الإجماع، وأخبار الآحاد.

ومنهم الجاحظ ت 241هـ: فقد ذهب إلى تعدّد الحق، وعدم العصمة.

ومنهم: أبو علي الجبائي 303 هـ. أبو هاشم الجبائي 321هـ . المعتزليان فكم قرَّرا من المسائل المخالفة لما عليه الشافعي -أحد أئمة السلف- رحمه الله.

ومنهم: أبو الحسن الأشعري 324هـ فقد أنكَر الصيغ، وقال: كل مجتهد مصيب، وجوز التكليف بالمحال، وله مقالات أخرى باطلة.

وكذا أبو منصور الماتريدي 333هـ ينقل الحنفية وغيرُهم أقواله.

والقاضي الباقلاني 403هـ مؤسس أو موسِّع طريقة المتكلمين. له التقريب والإرشاد. وأبو بكر بن فورك 406 هـ . والقاضي عبدالجبار 415هـ . صاحب المغني والعمد. وإمام الحرمين الجويني 478هـ ، له التلخيص والبرهان. كلهم من مقرري علم الكلام في أصول الفقه.

وأبو حامد الغزالي 505 هـ. صاحب المستصفى. وهو مقرِّر المنطق في علم الأصول. وكذا: الفخر الرازي 606 هـ. صاحب المحصول، والمعالم.

والسيف الآمدي 631هـ ، والقرافي 684هـ .

فلا تخلُوا أبحاثهم من مسائل كلامية بين مستقل ومستكثر ونقاشات عقيمة، ومسائل أجنبية عن أصول الفقه الذي دوّنه الشافعي، وأئمة الحديث والفقه.

- وقسم مِن عصبية المتمذهبة ميّزوا أصولَهم مِن أصول غيرهم، فقبلوا أصول مذهبهم وقرروها، وأبطلوا أصول غيرهم وزيفوها بناء على المذهب!.

كتبا: مِن أشهر المختصرات الصغار: المنار للنسفي، والتحرير لابن الهمام كلاهما حنفي.

ومختصر ابن الحاجب، وتنقيح الفصول للقرافي وكلاهما مالكي.

واللمع للشيرازي، والمنهاج للبيضاوي، وجمع الجوامع للتاج السبكي. وهؤلاء شافعية.

والبلبل للطوفي، وقواعد الأصول لعبدالمؤمن، ومختصر التحرير لابن النجار، وهؤلاء حنابلة.

هذه من أشهر المختصرات، وأما الكبار فكتب كثيرة جدًّا.

الورقات: سميت بالورقات لأنَّ الجويني قال في أولها: «هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه». فصار ذلك علَمًا عليها.

والورقات: جمع ورقة، جمع مؤنث سالم، والجمع السالم للقِلَّة على الأشهر وهو قول سيبويه والخليل، وقيل مشترك بين القلة والكثرة، وجموع القلة تأتي في الاستعمال للكثرة، والعكس، كما أفاده ابنُ مالك في الخلاصة.

والمؤلف قال ورقات لأمرين:

- التيسير على المبتدي، والتسهيل عليه.

- ولأهمية التدرج في دراسة العلوم الشرعية.

الحرمي: هو عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن عبدالله الجويني النيسابوري الشافعي الملقَّب بإمام الحرمين لأنَّه رحَل إلى مكة فجاور بها أربع سنين ينشر العلمَ فلقِّب بذلك. وُلد في المحرم من سنة (419 هجرية)، توفي رحمه الله (25/ربيع الآخر) سنة (478هجرية)([5]).

قال الناظم رحمه الله:

[[6-وَقَد سُئِلتُ مُدَّةً([6]) فِي نَظْمِهِ *** مُسَهِّلاً لِحِفظِهِ وَفَهمِهِ]]

مدة: في نسخة خطيّة: سابقًا

نظمه: وقد نظم هذا المتن جماعةٌ، منهم:

- أحمد بن محمَّد بن رجب الطوخي الشافعي 893 هـ «الزبدة في الأصول».

- يونس بن عبدالوهاب العيثاوي 976 هـ «زبد المختصرات».

- يحيى بن نور الدِّين العمريطي الشافعي 989 هـ. كتابنا هذا.

- محمد بن إبراهيم بن المفضل اليمني 1085 هـ.

- محمد المغربي الجزائري المتوفى سنة 1340هـ، سمى نظمه: «سلم الوصول إلى الضروري من علم الأصول»، وشرَح نظمه هذا، ويقع النظم في نحو  99 بيت.

قال الناظم رحمه الله:

[[7-فَلَم أَجِدْ مِمَّا([7]) سُئِلتُ بُدَّا *** وَقَد شَرَعتُ فِيهِ مُستَمِدَّا]]

بدا: أي انفكاكا. لابد منه: أي لا بُعد عنه، ولا انفكاك عنه. ولا فراق منه. وهذا الأسلوب يُستعمل مع النفي. تقول: لابد منه: أي لا مَحيد ولا مَفرّ منه.

وإنما لم يجد منه بدّا:

لأنه من العلم الذي يقدر عليه فلا يجوز له كتمه.

ولأن السائل له ممّن يعزّ عليه طلبه، ولما فيه من الإعانة على الخير «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، ولعله لم يعلم أنّ أحدًا نظم الكتاب قبله، أو لم ينتشر نظْم أحَد لديهم، وطلبًا للأجر والثواب، ولغير ذلك من المعاني والأسباب.

شرعت: ذكَر الناظم في آخر المنظومة أنه انتهى من النظم في شهر ربيع الآخر من عام 989 من الهجرة النبوية. ومعناه أنه شرع في نظمها قبل هذا التاريخ بقليل.

وتمت المنظومة في (211) بيتًا ، وهي من بحر الرجز.

قال الناظم رحمه الله:

[[8-مِنْ رَبِّنَا التَّوفيقَ لِلصَّوَابِ *** وَالنَّفعَ فِي الدَّارَينِ بِالكِتابِ]]

طلبَ مِن ربِّه سبحانه أمرين:

- التوفيق للصواب في نظمه، وإحاطته بألفاظ الكتاب ومعانيه، ونحو ذلك.

- والانتفاع بنظمه في الدنيا باستفادة الطلاب منه، والإقبال عليه. وأن ينتفعَ هو به في الدار الآخرة بالأجر والثواب فقد قال ﷺ: «إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ومنها: علم ينتفع به» رواه مسلم.

وأرجو أن الله أمدّه بما استمدَّه، واستجاب له دعواته، والحال شاهد بذلك.

* وهذه المنظومة لها شروح متعددة مطبوعة معلومة.



([1])  البلدانيات 230 .

([2]) في ش : الشافعيّ هونا .

([3]) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ص45.

([4]) مجموع الفتاوى (20/ 403). وانظر: مجموع الفتاوى (7/ 88).

([5])  «سير أعلام النبلاء» (18/468) و«شذرات الذهب» (5/338) ط: دار ابن كثير.

([6])  في ن . ش : سابقًا .

([7])  في ن . ش : عمّا .

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح