العودة للخلف

(الثامن عشر) من أخلاق الصائمين

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ شهرَ رمضان مدرسةٌ عظيمة للأخلاق الكريمة، منها ما يستفيدها المسلم من صيامه وقيامه وحضوره هذا الشهر، ومنها ما يُجاهد المُسلم نفسَه عليها مراعاةً منه لعبادته، واهتمامًا بعمله، وعناية بفريضته.

فمن الأول: تحقيق الإخلاص لله تعالى، والصِّدق معه، ومراقبته في الخَلوة والجَلْوة، ومجاهدته نفسه، وصبره وتحمّله المَشاقّ لله تعالى، وعفّته وكبح شهوته، وتهذيب نفسه، وغير ذلك.

ومن الثانـي: جملة من الأخلاق التي تحفظ للصائم صيامه وعبادته، ومنها:

أولًا: الرِّفق: في الأقوال والتصرّفات، فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»([1]).

وقال ﷺ: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمر كلِّه»([2]).

وقال ﷺ: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»([3]).

وقال ﷺ:  «إِذَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ»([4]).

والرفق: كما قال ابنُ حجر: هو لينُ الجانبِ بالقولِ والفِعلِ، والأخذُ بالأسهَلِ. وقال القاري: هو المداراةُ مع الرُّفَقاءِ، ولينُ الجانبِ، واللُّطفُ في أخذِ الأمرِ بأحسَنِ الوُجوهِ وأيسَرِها([5]).

فلابد للصائم من الرِّفق، والتأني، والتؤدة، وتغليب جانب الرحمة، والتواضع لئلا يفسد صومه، ويتسبب في ذهاب أجره، وحبوط عمله. ولهذا جاء في الحديث: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»([6]).

وقال : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»([7]).

ثانيًا: استغلال الوقت. وهذه من أجمل الخصال، وأطيب الأخلاق، فإنَّ المسلم الذي يَعرف قيمةَ رمضان ويقدره حقَّ قَدره لكلِّ لَحظةٍ مِن رمضَان عنده منزلة وميزان.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ أي إذا فرغْتَ من عمل فانصب إلى عمَل آخَر يقرِّبك إلى الله تعالى. وهذه الآية الكريمة نبراس في حياة المؤمن تضيء له الطريق وتوضح له علاج أهمّ مشكلة في حياته وهي الفراغ، وعلاجها: باستغلال الفراغ. ومِن هُنا كره الصالحون أنْ يكونَ العبد خاليًا لا في شغل دنيا ولا في شغل آخره، فإن هذا الصنف من الناس صيدُ الشيطان.

ومِن هنا قال النبي ﷺ «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»([8]).

 وقال رجل: يا رسول الله أخبرني بأمر جامع أتشبّثُ به، فقال ﷺ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ»([9]).

فمن أخلاق الصائم: الاستكثار من الطاعات من الصلاة والصدقة وقراءة القرآن والذِّكر والدُّعاء، وإن كان في مكة بالطواف ونحوه.

ومن شِيَمه: الحِرص على وقته، والضِّنة على ساعات رمضان مِن أنْ تَضيع فيما لا ينفعُ في الآخرة.

ومن نماذج عناية النبيِّ ﷺ بالوقت ما قال ابنُ عمر ر ضي الله عنهما: «إنْ كُنّا لنعُدُّ لرسُول الله في المجْلس الواحد مائة مرّةٍ: «ربّ اغْفر لي وتُب عليّ إنّك أنْت التّوّابُ الرّحيمُ»([10]).

ومِن نماذج ذلك عند الصَّحابة رضي الله عنهم لما سأل النبيُّ ﷺ «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» «مَن تَبِعَ منكم اليوم جَنَازَةً» «مَن أَطْعَمَ منكم اليوم مِسْكِينًا» «من عَادَ منكم اليوم مَرِيضًا؟» في كل يقول أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»([11]). فانظر كيف يَضربُ أبو بكر رضي الله عنه في يومه من كل باب مِن أبواب الخير بسَهم، هذه هي المسارعة والمبادرة واغتنام الفرص.

وإنَّ أولى ما اعتنى به المسلمُ في رمضان: الفرائض، ثم بقية النوافل، ومن مظاهر حفظ لوقته: محافظته على الرواتب، والضحى، وركعتين عند كل طهور، وتحية المسجد. وإذا سنحتْ فرصة الصلاة على الجنازة اهْتَبلَها، لِمَا في الصحيحين -في بيان فضل صلاة الجنازة- عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ»([12]).

ثالثًا: الحفاظ على السكينة الخاصَّة بترك الغضب، وعدم فتح أي مدخل للشيطان، وذلك بالتحلِّي بالهدوء، والطمأنينة. والحفاظ على السكينة العامَّة أيضًا في المساجد والطرقات والأسواق وحيث كان الصائم فهو يراعي السكينة العامة. يتنزه عن الخصومات ورفع الأصوات، ويترفّع عن المظاهر السلبية، ويتجنّب أذية المسلمين والإضرار بهم.

رابعا: العناية التامَّة بالنظافة الشخصيَّة، فإنَّ النبيَّ يقول -مقرًّا لقول أصحابه: إنَّ الرّجُل يحبُّ أنْ يكونَ ثوبه حسَنًا ونعلُه حسنة- : «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»([13]).

فمِن خُلق الصَّائم البُعد عن كلِّ المَظاهر التي تُسبِّب التقزُّز منه، وتشين بالمُسلم وتزري به. فيجمع بين طهارة الباطن والظاهر، و ﴿اللهُ يُحبُّ المُتَطَهِّريْن.

خامسًا: سلامة الصدر، وهذا الخُلقٌ مِن جُملة النَّعيم، كما أخرج الإمام أحمد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «طِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيم»([14]).

وهو من ثمار الصيام، وآثاره الطيبة المباركة على الصائم، كما في المسند عن رجل من بني أقيش رضي الله عنه أنَّ النبي قال: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ»([15]). ومن آثار الصلاة وثمارها الطيبة كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ»([16]).

وهذه هَمْسةٌ لمن تيسَّرت له العمرة في شهر رمضان: بتذكُّر نعمة الله عليه، فإنَّ الله يسَّر له ما يتمنّاه كثير من المسلمين، فعليه أنْ يستشعر أنه في أطهر البقاع، وأشرف الأماكن والأصقاع، فلابد أنْ يَعرف له قدرَه وحُرمتَه وقَدَاسته، وأن يتأدب فيه بأحسن الآداب، وأكرم الخصال، وأجمل العادات، وأنْ يحذَر غايةَ الحذر من العزم على معصية فضلًا عن فعلها، فإنَّ الله يقول: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]. وأن يحذر من الإحداث في الحَرمين ومن ذلك: تكدير صفوهما بإظهار البدع والمحدَثات، وتعكيرهما بالخرافات والعادات القبيحات، فضلًا عن تدنيسهما بالمظاهر الشركيَّة، والمقالات البدعيَّة، فالواجب تنزيههما عن كل ما يخالف الشريعة الإسلامية.

فاحرص غايةَ الحرص على أنْ تكونَ خيرَ زائر للمسجدِ الحرام، وأكرمَ معتمر وطائف بالبيت العتيق، وتحرَّ السُّنن النبوية، والآداب الإيمانية.

نسألُ الله تعالى أنْ يهديَنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يوفِّقنا لحُسن القول والعمل، والحمد لله رب العالمين.



([1]) البخاري ، ومسلم 2594 واللفظ له.

([2]) البخاري 6927 ، ومسلم 2593.

([3]) مسند أحمد 25259، وهو في الجامع الصحيح 3516.

([4]) مسند أحمد 24427 ، والصحيحة 942 ..

([5]) فتح الباري 10/449 ، المرقاة 8/3170.

([6]) البخاري1904، ومسلم 1151.

([7]) البخاري 1903 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([8]) رواه البخاري 6412.

([9]) مسند أحمد 17680 ، والجامع الصحيح 47 .

([10]) مسند أحمد 4726 ، الجامع الصحيح 1622 .

([11]) مسلم 1028 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([12]) البخاري 47 واللفظ له، ومسلم 945 .

([13]) صحيح مسلم 91.

([14]) مسند أحمد 23158 ، الصحيحة 174.

([15]) مسند أحمد 23077، مصنف عبدالرزاق 8124 التأصيل، واللفظ له، وهو في الجامع الصحيح 1458.

([16]) البخاري 1142، ومسلم 776 .

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح