الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
في العشر الأوسط من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة كان فتح مكة الأعظم، الذي أكرم الله عز وجل به رسوله ﷺ، وأقرَّ عينه به، وجعله علَما ظاهرًا على إكمال دينه وتمام نصرته.
وأنقَذَ الله عز وجل البلد الأمين بهذا الفتحِ مِنَ الشركِ الأثِيم، وصار بلدًا إسلامياً، ومُحيت منه جميع مظاهر الشرك، وكُسرت الوثنية، وأعلِنَ فيه بالتوحيد وإفراد العبادة لرب العبيد، وحده لا شريك له.
وسَبَبُ هذا الفتحِ العظيمِ أنَّه لما تَمَّ الصلْحُ بَيْنَ النبيِّ ﷺ وبَيْنَ قريشٍ في الحُديْبيّةِ في السَّنَةِ السَّادسةِ كان مَنْ أحَبَّ أنْ يدْخُلَ في عهْدِ النبي ﷺ فَعلَ، ومَن أحبَّ أنْ يدخُلَ في عهدِ قريشٍ فَعَلَ.
فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ في عهْدِ النبي ﷺ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان بَيْنَ القبيلتَين دماءٌ في الجاهليَّة، فانْتَهَزَتْ بنو بكرٍ هذه الهُدنَةَ فأغَارتْ على خزاعةَ وهم آمِنُون، وأعَانَتْهم قريشٌ بالرجالِ والسِّلاحِ سِرًّا على خزاعةَ. فانتقض عهد قريش بذلك.
فقدِم جماعةٌ من خزاعة إلى النبيِّ ﷺ، واستنصروه عليهم فأجابهم ﷺ وبشَّرهم بالنصر.
وندمَتْ قريش على ما كان منها، وبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم وبين النبي ﷺ ويزيد في الأجل، فقدم المدينة، وكَلَّمَ النبيَّ ﷺ في ذلك، فلم يَرُدَّ عليه، ثم كلَّمَ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لِيَشْفَعَا له إلى رسول الله ﷺ فلم يُفْلِحْ، ثم كَلَّمَ عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ فلم يُفلحْ أيْضاً.
ثم رَجَعَ إلى مكة فقالتْ له قريشُ: ما وَرَاءَكَ؟ قال: أتَيْتُ محمدًا فكَلَّمْتُه فوَالله ما رَدَّ عَليَّ شَيْئاً، ثم أتَيْتُ ابن أبي قُحافةَ وابنَ الخطاب فلم أجدْ خيرًا.
ثمَّ شرع رسول الله ﷺ في التجهز للقتال والمسير إلى مكة، وسأل الله عز وجل أن يعميَ على قريش الأخبار، فاستجاب له ربه تبارك وتعالى، حتى أطلعَ نبيَّه على كتاب كان بُعث إلى قريش ليعلمهم بذلك فلم يصل إليهم.
ثم خرَجَ من المدينةِ بنحو عَشَرةِ آلاف مُقَاتِلٍ من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب.
ولما كانَ في أثْنَاءِ الطريق لَقِيَهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ بأهْلِهِ وعيالِه مهاجراً مُسْلماً، ورجع معه ﷺ، وبعث بثَقَلِه إلى المدينة.
ولقيه ابن عَمّه أبو سفيانَ بنُ الحارثِ ابنُ عَبْدِالمُطَّلِبِ وابنُ عَمَّتِهِ عبدُالله بنُ أبي أمَيَّةَ، فأسلَمَا، وشهدا الفتح، وحنينًا، وأبلى أبو سفيان فيها بلاء حسَنًا، والطائفَ، واستُشهد عبدالله بها، وأما أبو سفيان فتأخرت وفاته إلى خلافة عمر.
ولمَّا بلغ ﷺ مكاناً يُسَمَّى مَرَّ الظَّهْرَانِ قريباً مِنْ مكةَ أمَرَ الْجَيْشَ فأوْقَدُوا عَشَرَةَ آلاف نارٍ، وجَعل على الْحرس عُمَرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه، وَرَكِبَ العباسُ بَغْلَةَ النبيِّ ﷺ لِيلْتَمِسَ أحَداً يُبَلِّغِ قريشاً لِيَخْرُجوا إلى النبيِّ ﷺ فيطلبوا الأمانَ منه، ولا يحصُل القتالُ في مكةَ البلدِ الأمينِ، فَبَيْنَمَا هو يَسِيرُ سَمِع كلامَ أبي سفيانَ بن حرب وهو يتكلم مع ِبُدَيلِ بن وَرْقَاءَ. فنَادَاه فقال: مالك أبَا الْفَضْلِ؟ قالَ: هذا رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ قال: فما الحيلَةُ؟ قالَ العباسُ: ارْكَبْ حَتَّى آتِيَ بك رسولَ الله ﷺ فأسْتأمِنَه لك، فأتى به النبيَّ ﷺ ، فأسلم، وشهد شهادة الحق.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ المَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلاَفٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَة، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ -وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ، وَقُدَيْدٍ- أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا([1]).
وعزم النبي ﷺ على الصحابة بالفطر لما شق عليهم الصيام([2]).
وفي صحيح البخاري أنه ﷺ لَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ([3]). ولم يزل يقصر الرباعية أيضًا([4]).
وقال النبي ﷺ قبل دخوله مكة: «هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ»([5]).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالحَجُونِ. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا([6]).
ودَخَلَ رسول الله ﷺ مكةَ فاتحاً مُؤَزَّرًا منصورًا قد طأطأَ رأسَه تَواضُعاً لله عز وجل حَتَّى إنَّ جبْهَتَه تَكَادُ تَمسُّ رَحْلَه وهو يَقْرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: 1] .
وبعثَ ﷺ على إحدى المَجْنَبَتين خالدَ بنَ الْوَلِيدِ وعلى الأخْرَى الزُّبيرَ بنَ العَوَّامِ وقال: مَنْ دَخَلَ المسجد فهو آمِنٌ، ومَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ، ومن دخلَ بيْتَه وأغْلَقَ بابَه فهو آمِنٌ.
ونزل النبي ﷺ مكة واغتسل في بيت أم هانئ وصلى ثماني ركعات. وأجارَ مَن أجارتْ([7]).
ومضى رسولُ الله ﷺ حتى أتى المَسْجِدَ الْحَرَامَ وأقبل على الحجر فاستلمه وطافَ بالبيت. ولم يكن معتمرًا.
وكان حوْلَ البيتِ ستون وثَلاثُمائَةِ صَنَم، فَجَعَلَ ﷺ يطْعُنُها بقَوْس معه وتتساقط، ويقُول: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإِسراء: 81] ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: 49] ([8]).
ثم دَخَلَ ﷺ الكعبة فإذَا فيها صورٌ فأمَرَ بها فَمُحِيَتْ ثم صلَّى فيها فلَّما فرغَ دَارَ فيها وكبَّرَ في نَواحِيْها وَوَحَّدَ الله عزَّ وجل.
ثُمَّ وَقَفَ على باب الكعبةِ وقُريشٌ تَحْتَه ينْتَظِرُون ما يَفْعَلُ، فأخذَ بعِضَادَتِي الباب وقال: لا إِله إِلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، لَهُ المُلْكُ وله الحمدُ وهو على كَلِّ شَيْءٍ قديرٌ، صَدَقَ وَعْدَه ونَصرَ عَبْدَه وهَزمَ الأحزابَ وحْدَه.
يا مَعْشَر قُريش إنَّ الله قد أذهَبَ عَنكم نَخوَةَ الجاهِليَّةِ وتَعَظُّمَها بالآباءِ، الناسُ مِنْ آدمَ وآدمُ من تُرابٍ ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
وعفا النبيُّ ﷺ عن قريش، وأهدرَ دمَ طائفةٍ، وقُتل ابنُ خطل وهو متعلِّق بأستار الكعبة([9]).
وقال النبيُّ ﷺ للأنصار: «إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ([10]).
ولما كان اليوم الثاني من الفتح خطبَ النبيُّ ﷺ فبيَّن حُرْمةَ مكة وأنها لم تحلّ لأحدٍ قبله ولا تحلّ لأحدٍ بعدَه، وقد أُحلَّت له ساعة من نهار، ثم إنها بعد ذلك حرام([11]).
وبعث ﷺ السَّرايا إلى مَن حول مكة مِن أحياء العرب يدعُوهم إلى الإسلام.
وبعد هذا الفتح دخل الناسُ في الدِّين أفواجًا، وأقامَ ﷺ بقية الشهر لتوطيدِ التوحيدِ ودعائمِ الإِسلام وتثبيتِ الإِيمان ومبايعةِ الناسِ([12]).
وصارت مكة بعد هذا الفتح بلد التوحيد والإيمان ومهوى أفئدة وقلوب جميع المسلمين والمسلمات. والحمد لله رب العالمين.