العودة للخلف

(الواحد والعشرون) ليلة القدر

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 3-4]

وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1-5]

وفي الصحيحين أنَّ النبي قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([1]).

وفي المسند والترمذي أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت النبي إذا وفّقت لليلة القدر ما تدعو فيها؟ فقال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»([2]).

وأمرَ النبيُّ بتحرِّي ليلة القدر، فقال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»([3]).

وقال : «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ»([4]).

وفي لفظ: «تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»([5]).

وفي حديث أبي سعيد أنَّ النبي اعتكفَ متحرِّيًا ليلة القدر وقال: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ»([6]).

وأخرج ابن ماجه عن  أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ». وفي المسند نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه([7]).

وفي هذه الأدلة من فضائل ليلة القدر:

1- أنها ليلة مباركة.

2- أنه ابتدأ نزول القرآن فيها.

3-  أنها ليلة شريفة جليلة لأنَّ القدر بمعنى الشرف والتعظيم.

4- أنها خير من ألف شهر.

قال سماحة الشيخ ابن باز: «أي أنَّ العمل فيها خير من العمل في ألف شهر مما سواها، وهذا فضل عظيم ورحمة من الله لعباده، فجدير بالمسلمين أنْ يُعظِّموها وأن يُحيوها بالعبادة»([8]).

5- أنها يُقدّر فيها ما يكون في السنة مما يقضيه الله تعالى ويريده.

6- أنها مِن أسباب مغفرة الذنوب.

7- أن الملائكة يتنزلون فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة.

8- أنها موصوفة بالسلام وذلك لكثرة من يَسلم فيها من الآثام ومن عقوباتها في الدُّنيا والآخرة، ومَن يَسلم من النار.

وتضمَّنت الأدلة في ليلة القدر:

- مشروعية الاستغفار وطلب العفو والنجاة، وسؤال العتق من النار.

- وتضمنت مشروعية اعتكافها وحبس النفس فيها على طاعة الله تعالى، واغتنام ساعاتها ولحظاتها.

- وفي الأدلة أنها ليلة كاملة من غروب الشمس حتى مطلع الفجر.

- وأنها تكون في العشر الأخيرة، وأرجى لياليها: الأوتار منها لأحاديث عدة في إرشاده بتحريها في الأوتار من العشر، وهي في الصحيحين.

قال العلامة العثيمين رحمه الله: «إنَّما أبهمها اللهُ عزَّ وجل لفائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولى: بيان الصادق في طلبها من المتكاسل، لأنَّ الصادق في طلبها لا يهمُّه أن يتعبَ عشر ليال من أجل أن يُدركَها، والمتكاسل يَكسل أن يقوم عشر ليال من أجل ليلة واحدة.

الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلما كثر العمل كثر الثواب.

وبهذه المناسبة أودّ أنْ أنبّه إلى غلط كثير من الناس في الوقت الحاضر حيث يتحرَّون ليلة سبع وعشرين في أداء العمرة، فإنك في ليلة سبع وعشرين تجد المسجد الحرام قد غصَّ بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة من البدع، لأنَّ رسول الله ﷺ لم يخصصها بعمرة في فعله، ولم يخصصها بعمرة في قوله، فلم يعتمر ليلة سبع وعشرين من رمضان مع أنه في عام الفتح ليلة سبع وعشرين من رمضان كان في مكة ولم يعتمر، ولم يقُل للأمَّة: تحرَّوا ليلة سبع وعشرين بالعمرة، وإنما أمر أن نتحرَّى ليلةَ سبع وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة»([9]).

وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: «وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ: أنَّ هذه الليلة متنقلة في العشر، وليستْ في ليلةٍ معيَّنة منها دائمًا، فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين وهي أحرى الليالي، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأَشفاع، فمَن قام ليالي العشر كلها إيمانًا واحتسابًا أدركَ هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعدَ الله أهلها.

وقد كان النبيُّ ﷺ يخص هذه الليالي بمزيد اجتهاد لا يفعله في العشرين الأُوَل. قالت عائشة رضي الله عنها، كان النبي ﷺ: يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها. وقالت: كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشدَّ المئزر، وكان يعتكف فيها عليه الصلاة والسلام غالبًا.

وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:31].

وكان أصحاب النبي ﷺ، وكان السلف بعدهم، يُعظِّمون هذه العشر ويجتهدون فيها بأنواع الخير.

فالمشروع للمسلمين في كل مكان أن يتأسَّوا بنبيهم ﷺ وبأصحابه الكرام رضي الله عنهم وبسلَف هذه الأمَّة الأخيار، فيُحيوا هذه الليالي بالصلاة، وقراءة القرآن، وأنواع الذكر والعبادة، إيمانًا واحتسابًا، حتى يفوزوا بمغفرة الذنوب، وحط الأوزار، والعتق من النار، فضلًا منه سبحانه وجودًا وكرمًا»([10]).

نسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والإعانة على ذكره وشكره وحسن وعبادته، «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا»، والحمد لله رب العالمين.



([1]) البخاري 2014، ومسلم 760.   

([2]) مسند أحمد 25384 ، والترمذي 3513 ، وابن ماجه 3850، وانظر: الصحيحة 3337 .

([3]) البخاري 2020،  2017 ، مسلم 1169.

([4]) البخاري 6991، ومسلم 1165 عن ابن عمر رضي الله عنهما.

([5]) صحيح مسلم 1165.

([6]) البخاري 2018 بلفظ: «فاتبغوها»، ومسلم 1167 واللفظ له.

([7]) سنن ابن ماجه 1644، و مسند أحمد 7148 .

([8]) «ليلة القدر أفضل الليالي» كلمة منشورة في موقع الشيخ.

([9]) تفسير جزء عم 273.

([10]) «ليلة القدر أفضل الليالي» كلمة منشورة في موقع الشيخ.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح