العودة للخلف

(الثاني والعشرون) من هدايات الصائمين

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 2

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

من هدايات الصائمين ومنازلهم الكريمة:

أولًا: التوبة إلى الله تعالى، وهي الرّجوع من الذّنوب، والنّدم على ما سبق منها، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك، والإقبال على الطاعات والأعمال الطيبات.

وإذا أرادَ الله بعبده خيرًا فتحَ له من أبواب التوبة والندم والانكسار والذُّل والافتقار والاستعانة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئات التي عملها من أسباب رحمة الله ومغفرته.

والصدق في التوبة يصاحبها تفريغ القلب مِن مَحبة السيئة، وحلّ عقدة الإصرار عن القلب عليها وتعلُّقه بها. مع عزمٍ مُصمَّم على عدم العود إليها.

ومِن آثار التّوبة النّصوح ألّا يبقى على التائب أثرًا من المعصية في سرِّه وعَلانيته، وأنْ يكره العبد المعصية ويَستقبحها حتى لا تكاد تخطر بباله إلا فارّة غير قارّة. وأنْ يَستشعر أنه حبيب لربه كما قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222]، وأنه يفرح بتوبته كما قال : «الله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ»([1]).

ثانيا: عدم العُجْب بالعمل، فالمؤمن يجمع بين: حُسْن الظنِّ بربه أنْ يقبلَ منه، والخوف من عدم قبول عمله.

فالأول: يَخرج به من القنوط.

والثاني: يَخرُج به من العجب.

وأهل السعادة موصوفون بالإحسان مع الخوف، والأشقياء موصوفون بالإساءة مع الأمن.

ومَن تأمل أحوالَ الصحابة رضي الله عنهم وجدَهم في غاية الجد في العمل مع غاية الخوف، بخلاف غيرهم فربما جمع  بين: التقصير والتفريط، والأمْن مِن مَكر الله تعالى!.

وفي المُسند عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ»([2]).

أي قلوبهم خائفة ألا يقبل منها لمقارنة رياء أو عجب أو أحد المحبطات أو السيئات، فلا يجزم بقبول العلم، بحيث يتفاخر به، ومن هنا كان مِن شأن الصالحين الإسرار بالعمل.

قال العلامةُ الألباني رحمه الله: «والسِّر في خوف المؤمنين أن لا تُقبل منهم عبادتهم، ليس هو خشيتهم أن لا يُوفِّيهم الله أجورَهم، فإن هذا خلاف وعد الله والله لا يُخلف وعدَه بل يوفي ويزيد كما قال: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} . وإنما السِّرّ أن القَبول متعلِّق بالقيام بالعبادة كما أمرَ الله عز وجل، وهم لا يستطيعون الجزم بأنهم قاموا بها على مراد الله، بل يظنون أنهم قصَّروا في ذلك، ولهذا فهُم يخافون أن لا تُقبل منهم. فليتأمَّل المؤمن هذا عسى أن يزداد حرصًا على إحسان العبادة والإتيان بها كما أمرَ الله، وذلك بالإخلاص فيها له، واتباع نبيه في هديه فيها. وذلك معنى قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]» ([3]).

ثالثا: العفاف والصيانة. وهي منزلة شريفة، ومرتبة كريمة، تضبط النفس، وتكرّم الجوارح، وتكبح الشهوة، وتمنع من خوارم المروءة، ولا يكون العبد تامّ العفّة حتّى يكون عفيف اليد واللّسان والسّمع والبصر، وعماد عفّة الجوارح كلّها ألا يُطلِقَها صاحبُها في ما منَع منه الشرع، ولا فيما يختصّ بالآخرين.

ووراء ذلك عفاف القلب فإنه الأساس كما قال : «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»([4]).

ولهذا كان النبي يدعو -يعلّمنا- فيقول: «اللَّهمَّ إني أسألُك الهدى والتُّقى، والعفافَ والغِنى»([5]).

ومن أهم مجالات العفة: العفاف عن الأعراض بكف اللسان عن المسلمين، وكف البصر عن إطلاقه في ما حرَّم الله، وكف المرأة ما يُسبِّب افتتان الآخرين بها، ولهذا قال تعالى: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60]. وقال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الآية [النور: 31] ، وقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]. فلابد من التزيُّن بالاحتشام، والتجمُّل بالحياء والسِّتر.

وهكذا العِفّة عن المال الحرام بصورة عامّة، وعن المسألة بصورة خاصَّة، ففي الصحيحين عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: «إنَّ ناسًا من الأنصارِ سألوا رسولَ اللهِ فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم. حتَّى إذا نفِدَ ما عنده قال: ما يكُنْ عندي مِن خيرٍ فلَن أدَّخِرَه عنكم. ومَن يستعفِفْ يُعِفَّه اللهُ، ومَن يستغْنِ يُغنِه اللهُ. ومن يتصبَّر يُصبِّرْه اللهُ، وما أُعطيَ أحدٌ من عطاءٍ خيرٍ وأوسَعَ من الصَّبرِ»([6]). وسؤال الناس أموالهم سواء في المساجد أو غيرها مِن قِبَل بعض المتسوّلين ينافي هذا الخلق العظيم. وأين هُم ممَّن قال الله فيهم: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273].

الرابع: التعاون على الخير، فقد أمر الله تعالى بذلك فقال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} [المائدة: 2]

قال ابنُ كثيرٍ: «يأمُرُ تعالى عبادَه المؤمِنين بالمعاوَنةِ على فِعلِ الخيراتِ، وهو البِرُّ، وتَركُ المُنكَراتِ، وهو التَّقوى، وينهاهم عن التَّناصُرِ على الباطِلِ، والتَّعاوُنِ على المآثِمِ والمحارِمِ»([7]).

قال القرطبي في تفسير الآية السابقة: «أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا، وتحاثُّوا على ما أمرَ اللهُ تعالى واعمَلوا به، وانتَهوا عمَّا نهى اللهُ عنه وامتَنِعوا منه».

وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]. فالتواصي بالحقّ من شأن أهل النجاة والصلاة.

نسأل الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد، والحمد لله رب العالمين.



([1]) البخاري 6309 ، ومسلم 2675.

([2]) المسند 25705 ، والترمذي 3175، وهو في الصحيحة 162 .

([3]) الصحيحة 1/306 .

([4]) البخاري 52، ومسلم 1599.

([5]) رواه مسلم 2721.

([6]) رواه البخاري (1469)، ومسلم (1053) واللفظ له.

([7]) تفسير القرآن العظيم 2/12.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح