الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد حذر النبيُّ ﷺ من الذنوب عمومًا وبين ضررَها وخطرَها، وبين أنَّ من أشدها على العبد: محقّرات الذنوب. كما في المسند عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ»([1]).
وورد فيها وعيد شديد تخاف قلوب أهل الإيمان منه، وهو ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ «إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ طَالِبًا»([2]). وأين المفرّ من الله تعالى!!.
وقد قال النبيُّ ﷺ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ»([3]).
قال الحافظ ابنُ حجر رحمه الله عند هذا الحديث: «فينبغي للمرء أنْ لا يزهد في قليلٍ مِن الخير أنْ يأتيَه، ولا في قليل مِن الشرِّ أن يجتنبَه، فإنه لا يعلمُ الحسَنةَ التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يَسخط عليه بها»([4]).
قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8]، وقال سبحانه: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]
وقد ضرب النبي ﷺ مثلًا لمحقّرات الذنوب كما في المسند عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ. وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ، فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا»([5]).
وفي حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: «فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ»([6]).
وفي هذا المثل غاية التحذير منه ﷺ عن المحقَّرات من الذنوب، ألا ترى إلى اجتماع الحطب كيف يَنتج عنه النار الكبيرة المتوهِّجة، مع أنَّ كل واحد أتى بعود وهذا سهل هين عليه ولا يصنع العود شيئًا، وهكذا الذي يتساهل في الذنوب ويقول: هذا هيِّن وهذا هيِّن، حتى تتراكم عليه الذنوب فتهلكه.
قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: «محقرات الذنوب: هي التي يحتقرها الإنسان ويراها حقيرة يعني: يتساهل بها؛ يعني يراها ما هي من الكبائر، ويراها ذنوبًا صغيرة. وقد يعتقد أشياءَ حقيرةً صغيرةً، وهي ليست كذلك، بل تكون كبيرة وهو ما يعلم، وقد تجتمع عليه، هي صغيرة، لكن تجتمع حتى تهلكه لكثرتها، وتساهله بها»([7]).
وبيَّن النبيُّ ﷺ أنَّ هذا مِن مزالق الشيطان الخطيرة، كما في المسند عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمَا تَحْقِرُونَ»([8]).
وإنما رضي الشيطان بالمحقَّرات:
- لأنها تجرّ إلى ما وراءها، وتسبِّبُ لصاحبها اعتياد الذنوب، حتى يذهب منه الخوف منها. وقد بوَّب الإمام البخاري بابًا فقال: (بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ)، وذكر حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُوبِقَاتِ([9]).
وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: (إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ)([10]).
- ولأنها تميتُ القلبَ وتُظلمه، كما في سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتتْ في قَلبهِ نُكتةً سَوداء فإذا هو نزَعَ واستغفرَ وتابَ سُقِل قلبُه وإنْ عادَ زِيدَ فيها حتى تعْلُو قلبَه وهو الرَّانُ الذي ذكرَ اللهُ ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾»([11]).
وفي الحديث دليل على أنها تُضعِفُ الإيمان.
-ولأنها سببُ هَلكَةِ العبدِ وخُسرانه كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ»([12]).
وفي المسند عن بلال بن الحارث رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة»([13]).
فهذه كلمةٌ ممَّا قد يَحتقِرُها قائلُها: ربما كانت سببًا في سَخطِ الله تعالى عليه.
وقد وردَ في السُّنة ما يبيِّن خطورةَ محقّرات الذنوب وعاقبتها على ثواب الأعمال الصَّالحة، كما في حديث ثوبان رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا» قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا»([14]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي ﷺ يا رسول الله؛ إنَّ فلانةً تقومُ الليلَ وتصومُ النهارَ، وتفعلُ وتصدّق، وتؤذي جيرانَها بلسانها فقال رسول الله ﷺ: لا خير فيها، هي من أهل النار([15]).
وكم في السُّنة النبوية من التحذير البالغ عن محقرات الذنوب، ومن ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال – في شأن الذي غلَّ شملةً: «إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، فخاف رجل فَجَاءَ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ»([16]).
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»([17]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ». متفق عليه([18]).
اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. والحمد لله رب العالمين.