العودة للخلف

(الثالث عشر) تأملات في آيات الصيام

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 4

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

في هذه الآية فوائد مهمَّة:

الفائدة الأولى: مشروعية الإكثار من الأعمال الصالحات مِن ذكر الله تعالى ومن الصدقات وصلة الأرحام وفعْل الخير وأعمال البر ونوافل العبادات.

فإنّ ذلك كله من التقوى الذي شُرع الصيام لأجل تحصِيله كما قال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. وفيها حرص المسلم على الأسباب الموصلة إلى منزلة التقوى.

الفائدة الثانية: وجوب البعد عن المعاصي، واتقاء ما حرم الله عز وجل. لقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

وقال تعالى في آخر الآيات أيضًا: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]

وقوله: {فَلَا تَقْرَبُوهَا} أبلغ من: (فلا تفعلوها) مثلًا، لأنَّ القرب يشمل: النهي عن فعل المحرَّم نفسه، والنهي عن جميع وسائله وطرقه الموصلة إليه.

 والعبد مأمور بترك المحرَّمات، والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها.

وهذه حقيقة المجاهدة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

والمجاهدة تشمل المصابرة على الطاعات. والمحافظة عليها والعناية بأسبابها. والمصابرة عن المحرمات، والبعد عن أسبابها وطرقها.

قال الحسن : أفضل الجهاد مخالفة الهوى.

وفي المسند عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن النبيَّ قال: «الْمُجَاهِدُ، مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ لِلَّهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ»([1]).

ولهذا أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

وفي رواية: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»([2]).

وفي المسند عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ»([3]).

فلابد من المجاهدة من أجل الحفاظ على الصوم مِن محبطات ثوابه ومبطلات أجره ومفسدات جوهره، حتى لا يكون الصائم كالتي نقضت غزلها أنكاثًا، وكالذي خرَّب بيديه وقد تعب في إصلاحه.

ولهذا قال النبي قال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ». متفق عليه . ولمسلم: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»([4]).

قال الحسن رحمه الله: (إذا كان يومُ صومِك فليصُم سمْعُك وليصُم بصرك ولتصُم جوارحك).

* وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]

فيها العناية بتلاوة القرآن وتدبره، وقد كان للنبي في رمضان مع القرآن حال خاصّ في مدارسته وعَرْضه على جبريل. وهكذا كان حال السلف مع القرآن في رمضان عجيب غريب وأين نحن وأين هم! وقد ذكروا في كتب التراجم عنهم قراءته في ثلاث أو في خمس ليال أو سبع ومنهم من يقرؤه في ليلتين.

قال ابنُ رجب رحمه الله: «وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضَّلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يُطلب فيها ليلة القدر، أوفي الأماكن المفضَّلة كمكة لمن دخَلها من غير أهلها، فيُستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان»([5]).

* وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}  [البقرة: 185].

في الآيةِ سماحةُ الشريعةِ ويُسْرها وسُهولتها في الكُلّيات وفي الجزئيات.

ومظاهر التيسير في الصيام من أوجه كثيرة: فالشهور اثنا عشر شهرًا وإنما فرضَ اللهُ سبحانه صومَ شهر رمضان فقط، فهي أيام معدودات، وإنما يصوم النهار فقط، ولهذا جاء النهي عن الوصال، ولوحظ في تشريع صيام هذه الأيام المعدودة: قدرات وطاقات المكلفين وأحوالهم، فجاء التيسير بجواز الفطر للمسافر والمريض والحبلى والمرضع وكبير السنّ، وغيرهم، ومنها: شَرْعيةِ السّحور والحث عليه لما فيه من البركة والإعانة على الصوم، ومن التيسير: أنَّ مَن نسي فأكل أو شرب فهو معفو عنه ويتمّ صومه ولا شيء عليه وهذا الحكم أيضا للجاهل والمخطئ على الصحيح لأنه لا يقصد، وغير ذلك من أوجه التيسير.

* وقوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]

فيها الأمر بشُكر الله تعالى على فضله الواسع وكرمه العظيم بتشريع صيام شهر رمضان وما فيه من البركات، ومنها: أنّ مَن قام مع إمامه حتى ينتهي كتب له قيام ليلة، والعمرة في رمضان تعدلُ حجَّة، وأجر الصيام مضاعف بغير حصر، وحصول الهدى والبينات والفرقان بالقرآن، وتصفيد الشياطين، وفتح أبواب الجنة، وإغلاق أبواب النار، والإعانة على حفظ الجوارح، وكثرة أسباب المغفرة من الصيام والقيام، والتعرُّض للعتق من النار، وعظيم الأجر الذي لا يقدر له في قدر ليلة القدر، وغير ذلك.

* وقوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]

فيها العناية بكثرة الدعاء والضراعة والإلحاح في الدعاء بخيري الدُّنيا والآخرة وحُسن العاقبة والفوز بالجنة والنجاة من النار.

* وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]

في هذه الآية: الحض على سلوك سُبل الرشد.

والرشد: التوفيق للصواب والهداية إليه. ومنه: إرشاد الضال إلى السبيل. والرشد: ضد الغي والضلال. والرشد: اسم جامع لكل ما فيه مصالح العباد في دينهم ودنياهم وأخراهم.

وتضمن الرشد الهداية للإيمان والأعمال الصالحة والاستقامة على ذلك، والسلامة من الغي والضلال وخاتمة السوء.

ومن أعظم أسباب الرشد: الإيمان بالله تعالى، والاستجابة لأوامره، وكثرة الدعاء والضراعة، والعناية بالقرآن والأعمال الصالحات كالصيام، والحذر من معصية الله تعالى.

نسأل الله التوفيق والسداد، والهدى والرشاد، والحمد لله رب العالمين.



([1]) مسند أحمد 23958 .

([2]) البخاري 1903.

([3]) مسند أحمد 8856 ، وهو في الجامع الصحيح 1081.

([4]) البخاري 1894، ومسلم 1151.

([5]) لطائف المعارف 306 .

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح