الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.
أيها الناس:
أخرج الإمام أحمد في المسند وهو في الجامع الصحيح عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أقرئني سورة هود وسورة يوسف؟ قال: فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عقبة، إنك لم تقرأ بسورة أحب إلى الله عز وجل، ولا أبلغ من قل أعوذ برب الفلق».
وفي رواية بإسناد صحيح زيادة: «وقل أعوذ برب الناس».
وهاتان السورتان ورد تسميتهما بالمعوذتين، وهما سورتان عظيمتان جليلتان حافظتان بإذن الله، يتعوذ بهما المؤمن والمؤمنة، ويستتر بهما المسلم والمسلمة.
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}؛ أعوذ: أي ألتجئ وأعصم وأتحرز وأتستر بالله جل وعلا من كل الأشرار والأضرار. أعوذ بالله {بِرَبِّ الْفَلَقِ} رب كل مخلوق، فالق الإصباح، فالق الحب والنوى جل في علاه
{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}، وهذه كلية جامعة دخل فيها كل الشرور وجميع الأضرار التي يتخوف منها المسلم والمسلمة في ليله ونهاره؛ من جن أو إنس أو سبع أو حجر أو مدر أو أخضر أو يابس: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}.
وإنما يُعيذُ الله ، وإنما يعصم الله، {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ}، والمعصوم من عصم الله، والمحفوظ من حفظه الله جل وعلا، والشقي من سلمه الله جل وعلا لعدوه ولنحوه من أنواع الآفات والأضرار.
ثم خص بعد أن عم: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}، وهذه استعاذة من جميع الشرور التي تكون في الليل من شياطين وهوامّ وسباع وغير ذلك.
{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، وهذه استعاذة بالله جل وعلا واعتصام به ولجوء إليه من أضرار السحر والسحرة والكهنة وعبدة الشياطين.
{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} والحاسد هو الذي يكره نعمة الله على غيره، فشرعت الاستعاذة بالله من شره، فقد يصيب بالعين، والعين تدخل الرجل القبر والجمل القدر، العين حق.
واعلم أخي المؤمن، رعاك الله، أن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}؛ فالعباد فقراء إلى الله جل وعلا الفقر المطلق التام في جلب المنافع ودفع الأضرار، والله جل في علاه هو الغني الغنى المطلق التام الكامل من كل وجه، وهو سبحانه مالك الملك إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، له القدرة الكاملة والإحاطة الشاملة سبحانه وبحمده.
ولهذا ورد في السنة المطهرة الخير الكثير والدلالة والإرشاد الواضح البين الكثير في إرشاد العباد إلى الخروج من الحول والقوة للذات إلى حول الله وقوته وحفظه وكلاءته ورعايته سبحانه وبحمده.
وقد جاء عن ابن عباس في الصحيح في البخاري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ حسناً وحسيناً رضي الله عنهما: «أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». كان عليه الصلاة والسلام يعوذ الأطفال الصغار ويعوذ نفسه وأهله، وقال: «إن أبي إبراهيم كان يعوذ إسحاق وإسماعيل كذلك». فهؤلاء صفوة الله جل وعلا من خلقه، خليل الله إبراهيم وخليل الله محمد عليهما الصلاة والسلام، يتعوذان بالله ويعوذان أهلهما بالله جل وعلا من الشرور والأضرار.
ومن الأضرار التي شرعت الاستعاذة بالله جل وعلا منها: النفس الطماعة التي لا تشبع، أي لا تقنع، حريصة على الدنيا وعلى المال، لا تقنع بما وهب الله وأعطى من الحلال، فتطلب المال من حله أو من حرامه، وتطلب المال من كل سبيل ولو بكذب أو شهادة زور أو قطع رحم أو سطو على أموال المسلمين؛ فاستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، لأن هذه النفس شريرة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها»، واستعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من شر النفس وعلمنا ذلك: «أعوذ بالله من شر نفسي ومن شر الشيطان». قال: «ومن دعاء لا يسمع، أعوذ بك ربي من هؤلاء الأربع».
ومن الأضرار التي وردت الاستعاذة بالله جل وعلا منها: الاستعاذة بالله من وسوسة الشيطان في العبادات، ومن أجلها الصلاة. ولهذا شرع للمسلم أن يعتصم بالله من شر الشيطان في وضوئه وطهوره وعند خروجه من بيته يقصد المسجد، وعند دخوله إلى المسجد يقصد الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». هكذا تعلمون حفظكم الله أنه شُرع للمسلم أن يقول هذا الذكر وهذه الاستعاذة إذا أراد الطهور ودخول الخلاء. وإذا خرج من بيته جاء من حديث أم سلمة وأنس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ». فهذه استعاذة بالله من شر الشيطان وإغوائه عن الحضور في الصلاة. واعلموا حفظكم الله أن الصلاة عمل وروح، وروحها الخشوع والتدبر وحضور القلب والتذلل حين الوقوف بين يدي الله، فإذا نزع ذلك بقي العبد في المسجد جثة لا ينتفع بصلاته إلا قليلاً. وهكذا ثبت من حديث عبد الله بن عمرو وهو في الجامع الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل المسجد يقول ويعلمنا أن نقول: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وهذه توسلات عظيمة: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه»، كل هذا استعاذة بالله من شر الشيطان ووسوسته. والسورة الأخرى التي أرشد إليها نبينا عليه الصلاة والسلام: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، وهذه استعاذة بربوبية الله، {مَلِكِّ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ}، وهذه استعاذة بألوهية الله، استعاذة بربوبية الله وأسمائه وصفاته وإلهيته، كل ذلك من شر الوسواس الخناس؛ لعظيم خطره على العبد، على المسلم وعلى المسلمة.
=============
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وسيد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.
من الأضرار التي وردت الاستعاذة بالله جل وعلا منها في الشرع المطهر: الخيانة؛ فإنها بئست البطانة وبئس الخلق هو.
وقد ورد الاستعاذة بالله جل وعلا من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء جميعاً. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لساني، وشر قلبي، وشر مني».
ووردت الاستعاذة بالله من أضرار كثيرة؛ من الكفر، والنفاق، والضلالة، والردى، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، ومن العجز والكسل، وسوء الكبر. وهكذا في أنواع كثيرة من الأضرار في الصحاح وفي غيرها، وردت الاستعاذة والالتجاء والاعتصام بالله جل وعلا من هذه الأضرار الكثيرة.
ومن أعظمها الاستعاذة بالله جل وعلا من الحور بعد الكور، من الضلالة بعد الهدى، من الكفر بعد الإسلام، من النفاق بعد الإيمان، من الغواية بعد الهداية؛ هذا أمر خطير. «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت. اللهم إني أعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون»؛ متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول ويعلمنا أن نقول هذا الدعاء العظيم، وفيه استعاذة بالله من الضلالة ومن الغواية، ومن الحور بعد الكور وقد ثبت هذا في حديث ابن عمر في مسلم.
وهكذا إخواني في الله، مما تعلمناه في الشريعة المطهرة أن الاستعاذة تكون بالله جل وعلا وحده دون من سواه، فلا يستعاذ بملك ولا بنبي ولا بجماد ولا بولي ولا بقريب ولا ببعيد فيما لا يقدر عليه إلا الله. {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}، وإن الاستعاذة بغير الله شرك والعياذ بالله. وأما الاستعاذة بالحي الحاضر القادر، كالاستغاثة به، وهذا لفظ عربي؛ فإن العربي يقول: "أعوذ بك من شر غلامك وولدك"، كما تقول الآن: "اكفني شر ولدك وشر غلامك"، وتقول للمدير: "اكفنا شر هذا الموظف أو هذا العامل"، لكن في لغة العرب يقال: "أعذنا من شر هذا"، يقدر على كف شره. وهكذا في حديث: «من وجد معاذاً فليعذ به»، أي مكاناً يسلم فيه كما تصعد في مرتفع أو جبل من حطمة الوادي، وكما تتحرز أو تتعوذ ببيت من البرَد والبرْد والريح العاصفة وغير ذلك. أما الاستعاذة وهي عمل القلب والالتجاء، فلا يكون إلا عبادة ولا تصرف إلا لله، ومن استعاذ بقلبه بغير الله وعلق قلبه بغير الله فقد أشرك به مع الله جل وعلا.
فالاستعاذة عبادة جليلة ينبغي للمسلم أن يعتني بها، ولهذا ثبتت الأحاديث الصحيحة أنه يشرع للمسلم أن يقرأ بالمعوذتين مع سورة الإخلاص في الصباح مع أذكار الصباح، وفي المساء مع أذكار المساء، وعند النوم، وبعد صلاة الظهر، وبعد صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب، وبعد صلاة العشاء، وبعد صلاة الفجر؛ في جميع هذه الأوقات ثبتت الأدلة بمشروعية تلاوة المسلم لهذه المعوذات العظيمة والعاصمات بإذن الله جل وعلا.
نسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يعيذنا من شر الشيطان وشركه، ونعوذ بالله من شر أعدائنا، ونعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، ونعوذ بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سخطه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة واحفظ عليهم عليهم دينهم وبلدانهم، واحفظ وأصلح أحوال المسلمين في هذا البلد خاصة. اللهم من أرادنا وبلادنا وخيراتنا وديننا ودعوتنا بسوء فاجعل تدبيره تدميراً عليه، واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.